نحو غد أفضل (6)
رسالتنا فى الحياة
للأب القمص أفرايم الأنبا بيشوى


الولادة والنمو والمسئولية ...
ما بين الميلاد والوفاة قصة حياة كل واحد وواحدة منا على وجه الارض، كتاب مفتوح نكتب فيه كل ساعة وكل يوم الكثير من سطور الافكار والعواطف والاعمال وعلينا ان نحرص ان نكتب سيرة عطرة لكل منا حسب طاقاته وإمكانياته ومواهبه، فلا يوجد انسان الا وقد حباه الله بالكثير من الوزنات ليتاجر بها ويربح، وما الموهبة والعبقرية الا إكتشاف لمواهبنا وطاقاتنا وتنميتها بالجهد المتوالي وعلى مر الأيام والسنين يتكون لدينا تراكمات من النجاح. وقد يكون هناك ايضا الكثير من الأخطاء التي ممكن ان نستفيد منها فى بناء شخصيتنا والتعلم من أخطائنا لنصل للأفضل والحكيم هو من يتعلم من أخطاء غيره ومتوسط الحكمة يتعلم من أخطاءه والاقل حكمة لا يتعلم ولا يستفيد من الأخطاء والجاهل هو من تكون عثراته سبب فى فشله أو تحطيمه وربما هلاكه الأبدي ما لم يتوب فالشرير بحبال خطيئة يمسك.
عندما يولد طفل جديد الى العالم فان الله يعلن لنا بولادته الرحمة الغنية التي تهب المولود نعمة الوجود ليعمل ويثمر ويشترك فى العمل مع الله طيلة حياة الانسان. الله بعلمه السابق يعرف كل شئ عن الانسان. هكذا قال الرب لارميا النبي {قبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك جعلتك نبيا للشعوب} (ار 1 : 5). وعلم  الله السابق لا يجبرنا على شئ بل يهبنا حرية الإختيار والمسئولية الأدبية ويحاسبنا فى نهاية الرحلة على كل ما فعلناه ولانه اله رحيم يهبنا التوبة باب للغفران وإصلاح الذات وتقويمها، وولادة طفل جديد تقول ان الله لم ييأس من البشرية بعد ويعطيها حياة وجعل الأبوين يشتركان فى اعطاء الحياة لانسان جديد فى العالم ويجب ان يكون الوالدين مؤهلين لرعاية المولد الجديد لانهم مسئولين أمام الله والمجتمع عن تربيته، وللاسف فاننا نجد البعض يفشلوا فى ذلك الإختبار. لقد عاقب الله عالى الكاهن لانه علم بخطايا ابناءه ولم يعاقبهم ويربيهم التربية الجيدة. كما مدح الكتاب اباء وامهات لانهم أخرجوا ابناء صالحين نافعين لمجتمعهم. وعلى النقيض من ذلك حتى وسط عالم الظلمة استطاعت يوكابد ان تنشئ قديسين هم موسي النبي وهارون رئيس الكهنة ومريم النبية وفى ظرف سنوات الرضاعة ربت موسي النبي على مخافة ومعرفة الله {بالايمان موسى بعدما ولد اخفاه ابواه ثلاثة اشهر لانهما رايا الصبي جميلا ولم يخشيا امر الملك. بالايمان موسى لما كبر ابى ان يدعى ابن ابنة فرعون. مفضلا بالاحرى ان يذل مع شعب الله على ان يكون له تمتع وقتي بالخطية.حاسبا عار المسيح غنى اعظم من خزائن مصر لانه كان ينظر الى المجازاة.} ( عب 23:11-26). لهذا تقع مسئولية كبيرة على الوالدين فى تربية الابناء لاسيما فى سنوات الطفولة الاولي { رب الولد في طريقه فمتى شاخ ايضا لا يحيد عنه} (ام 22 : 6). وكما يقول المثل التعليم فى الصغر كالنقش على الحجر. عندما يكبر الطفل يتأثر بالاصدقاء ولهذا نهتم بالتوجيه الاسرى فى إختيار الاصدقاء { المعاشرات الردية تفسد الاخلاق الجيدة} (1كو 15 : 33) ثم يتأثر الفرد بالبيئة المحيطة والمجتمع. ويقع علي عاتق الاباء السعي لتحقيق التكامل والتوازن فى شخصية ابنائهم منذ الصغر كما قيل عن ربنا يسوع المسيح فى تجسده { واما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس} (لو 2 : 52). و يجب ان نهتم بمختلف جوانب تقدمنا ونمونا من الجوانب العقلية والجسدية والروحية والدراسية  والاجتماعية والنفسية... الخ.
رسالتنا فى الحياة ..
 + لقد خلقنا الله لاداء رسالة على الأرض ويجب على كل واحد وواحده منا إكتشاف دوره فى المجتمع ورسالته فى الحياة والمساهمة فى بناء نفسه وأسرته وكنيسته ومجتمعه {لاننا نحن عمله مخلوقين في المسيح يسوع لاعمال صالحة قد سبق الله فاعدها لكي نسلك فيها} (اف 2 : 10). يجب ان يعرف الانسان ماذا يريد من الله { فاجاب يسوع وقال له ماذا تريد ان افعل بك} (مر 10 : 51) وماهو الدور الذى يمكن به ان يكون  كل منا نافع لبناء نفسه ومن حوله وبناء ملكوت الله على الأرض. ولهذا يجب ان نسأل الله فى صلواتنا ونقول له {يا رب ماذا تريد ان افعل؟} (اع 9 : 6) وعندما تتفق ارادتنا على طاعة الله ومعرفته مع ارادته لنا بالنجاح والاثمار نأتي بثمر ويدوم ثمرنا ونربح انفسنا ومن حولنا وهذا يستوجب بناء الإنسان الداخلي بالدراسة والقراءة والعمل والقيام بامانة وإخلاص بادوارنا فى كل مجال. وليس كبر أو صغر الوظيفة أو الدور هو الذى يتحكم فى مصيرنا بل المحبة والاخلاص فى اداء دورنا وهذا يستدعى إمتداد راسي فى حياتنا بالعلاقة والعمق مع الله والإنقياد لارشاد الروح القدس وروح الكتاب المقدس والصلاة التي بها نحيا فى المسيح ونتعلم منه ونسير على خطاه وبعد ذلك  الإمتداد الأفقي نحو الغير من الدائرة الأقرب فى البيت والعائلة والكنيسة الى مجتمع الاصدقاء والعمل والمجتمع المحيط.
+ لكي ننجح ونثمر علينا ان نثبت اذا فى المسيح { اثبتوا في وانا فيكم كما ان الغصن لا يقدر ان ياتي بثمر من ذاته ان لم يثبت في الكرمة كذلك انتم ايضا ان لم تثبتوا في. انا الكرمة وانتم الاغصان الذي يثبت في وانا فيه هذا ياتي بثمر كثير لانكم بدوني لا تقدرون ان تفعلوا شيئا. ان كان احد لا يثبت في يطرح خارجا كالغصن فيجف ويجمعونه ويطرحونه في النار فيحترق.ان ثبتم في وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم. بهذا يتمجد ابي ان تاتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذي.} ( يو 4:15-8).  اننا نثق ان الله يريد منا ان نعطى مذاقة روحية للمجتمع الذى نحيا فيه وان نأخذ من نوره ونستنير ونبنى أنفسنا وغيرنا { انتم ملح الارض ولكن ان فسد الملح فبماذا يملح لا يصلح بعد لشيء الا لان يطرح خارجا ويداس من الناس. انتم نور العالم لا يمكن ان تخفى مدينة موضوعة على جبل. ولا يوقدون سراجا و يضعونه تحت المكيال بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا اعمالكم الحسنة ويمجدوا اباكم الذي في السماوات} (مت 13:5-16)
+ لقد خلق كل منا لاداء مهمة فى فترة غربة على الارض { غريب انا في الارض لا تخف عني وصاياك} (مز 119 : 19). فى الغربة قد ننال من النجاح والتوفيق بقدر ما نجتهد ونعمل ونبنى لمستقبل أفضل. وقد يعانى المؤمن الكثير من المعوقات لاسيما فى مجتمع تسوده روح التنافس والحروب الروحية من الشيطان وأعوانه ولكن بالتصميم على خدمة الله ونقاوة القلب والمحبة لله والغير والخير يطل المؤمن على شواطئ الأبدية بالرجاء الواثق الذى به نحيا الإيمان الواثق والسلام الى ان نصل الى المحبة الكاملة والوطن السمائي فلكل شئ تحت السماء وقت {للولادة وقت وللموت وقت للغرس وقت ولقلع المغروس وقت} (جا 3 : 2).
 نحن فى حياتنا لا نلقى رجائنا لا على مال زائل ولا منصب لا يدوم ولا اشخاص راحلون ولكل على الله الحي القادر على كل شئ {عليك القيت من الرحم من بطن امي انت الهي} (مز 22 : 10). فى الغربة يجب ان نجاهد جهاد الإيمان الحسن لنربح إكليل السماء كما قال القديس بولس الرسول {قد جاهدت الجهاد الحسن اكملت السعي حفظت الايمان. واخيرا قد وضع لي اكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره ايضا} (2تيم 7:4-8). ان حياتنا على الارض لا تقاس بطولها بل بعمقها ولا بما تركناه من مال بل ما تركناه من خير ومن جليل الأعمال من أجل الله ومحبة فيه وفى أخوتنا وخلاص أنفسنا.
أطلاله على الأبدية ...
+ ان محبتنا وإخلاصنا وأمانتنا لله والكنيسة والوطن والعمل والإنسانية والقيم واجب على المؤمن لكي يطل به على الأبدية السعيد التي يظنها البعض بعيده، ولكن المؤمن يرى انه يبتدئ ملكوت الله السمائي على الأرض فى داخله ويبنى بيته السعيد فى السماء بما يكنزه فيه لهذا قال الرب { لا تكنزوا لكم كنوزا على الارض حيث يفسد السوس والصدا وحيث ينقب السارقون ويسرقون.  بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدا وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون. لانه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك ايضا} (مت 19:6-21).
 + المؤمن يثبت نظره نحو الابدية. وهذا يشبع حاجته الروحية فى إمتداد الحياة  مع الله فى سلام وفرح ومحبة ويجعل لحياتنا هدف وقيمة لنسير فى الحياة مدركين ان كل أعمالنا ومحبتنا وجهادنا له أجر { صنع الكل حسنا في وقته وايضا جعل الابدية في قلبهم التي بلاها لا يدرك الانسان العمل الذي يعمله الله من البداية الى النهاية} (جا 3 :11). ومن أجل الملكوت السمائي وبنوتنا لله نعمل ونجاهد بضمير صالح وإيمان بلا رياء. هكذا راينا إبراهيم أبو الاباء يتغرب ما بين الخيمة والمذبح ويطيع الله مقدما حتى أعز ما لديه ابنه الوحيد على مذبح المحبة من أجل قيامة أفضل. وهكذا كان القديس الأنبا أبرام أسقف الفيوم المتنيح  يرى فى الفقير والغريب والضيف والمريض والمحتاج أفضل إستثمار لأموال الكنيسة. لكن عندما تغيب الرؤية الروحية يكنز الإنسان لنفسه كما الغني  الغبي الذى طلب الله نفسه فوجدها بلا ثمر. وكما الغني الذى جاور لعازر البلايا دون ان يعطيه شئ حتى من الفتات التي تتساقط على مائدة. وذهب لعازر ليتعزى والغني ليتعذب.
+ من منا يستطيع اذا فى كل وقت ان يقول لله مستعد قلبي يا الله فى كل وقت؟. أنه المؤمن الواثق الذى يحي الغربة ويرسل مدخراته الى الوطن السمائى، ويجاهد الجهاد الحسن ليكمل السعي . أو البار الذى تكون حياته بحق غربة على الارض فيها يحيا سفير للسماء يقول مع القديس بولس الرسول { اذا نسعى كسفراء عن المسيح كان الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله} (2كو  5 :  20). فالنفس التي تستحق ملكوت السموات هي التي تحيا الإيمان فى توبة دائمة ويقظة روحية وكعبد حكيم يتاجر بوزناته ويربح وكإبن وارث للسماء يعمل فى حقل الملكوت. ويسمع ذلك الصوت المملوء فرحا { فقال له سيده نعما ايها العبد الصالح والامين كنت امينا في القليل فاقيمك على الكثير ادخل الى فرح سيدك} (مت 25 : 21). ومن اجل ان نمسك بالحياة الأبدية ننمو فى معرفة الله ومحبته وصنع ارادته وننقى قلوبنا لنعاين الله { طوبى للانقياء القلب لانهم يعاينون الله} (مت 5 : 8). نسير بخطي واثقة  فى أبوة الله لنا ومعونة ربنا يسوع المسيح من خلال عمل نعمة الروح القدس ووسائط الخلاص. نركض فى ميدان الحياة  حاملين صليب الجهاد اليومي وصلب الذات والشهوات أو احتمال المرض او الإضطهاد أو الحاجة  أو الصوم فى شهادة للإيمان والحق واثقين ان عناية القدير ستقودنا  وتكمل جهادنا {انتم الذين بقوة الله محروسون بايمان لخلاص مستعد ان يعلن في الزمان الاخير} (1بط 1 : 5). المؤمن المستعد للقاء الله يستطيع رغم كل الظروف الصعبة ان يحيا فى سلام وفرح ورجاء ويواصل رسالة على الأرض فى أمانة وثقة ورجاء وفى نفس الوقت باشتياق للوطن السمائي ويقول مع بولس الرسول { لي اشتهاء ان انطلق واكون مع المسيح ذاك افضل جدا} (في 1 : 23).